الخطيب الشربيني
689
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
وصححه البيهقي عن أم هانئ بنت أبي طالب أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « فضل الله قريشا بسبع خلال أني منهم ، وأنّ النبوّة فيهم ، وأنّ الله نصرهم على الفيل ، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده غيرهم وأنّ الحجابة والسقاية فيهم ، وأنّ الله أنزل فيهم سورة من القرآن » « 1 » وسموا قريشا من القرش وهو التكسب والجمع ، يقال : فلان يقرش لعياله ويقترش ، أي : يكتسب ، وهم كانوا تجارا حرّاصا على جمع المال ، وقال أبو ريحانة : سأل معاوية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : لم سميت قريش قريشا ؟ قال : لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه تعبث بالسفن ، ولا تطاق إلا بالنار يقال لها : القرش ، ولا تمرّ بشيء من الغث والسمين إلا أكلته ، وهي تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى ، . قال : وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ، قال : نعم فأنشده شعر الجمحي « 2 » : وقريش هي التي تسكن البح * ر بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين فلا تت * رك فيه لذي الجناحين ريشا هكذا في الكتاب حي قريش * يأكلون البلاد أكلا كميشا ولهم آخر الزمان نبيّ * يكثر القتل منهمو والخموشا وقيل : هو من تقرش الرجل إذا تنزه عن مدانس الأمور ، أو من تقارشت الرماح في الحرب إذا دخل بعضها في بعض . وقوله تعالى : إِيلافِهِمْ بدل من الإيلاف الأول ، وقرأ ابن عامر لإلاف بغير ياء بعد الهمزة ، والباقون لإيلاف بياء بعدها ، وأجمع الكل على إثبات الياء في الثاني وهو إيلافهم بالياء بعد الهمزة . قال ابن عادل : ومن غريب ما اتفق في هذين الحرفين أن القراء اختلفوا في سقوط الياء ، وثبوتها في الأول مع اتفاق المصاحف على إثباتها خطا ، واتفقوا على إثبات الياء في الثاني مع اتفاق المصاحف على سقوطها منها خطا ، وهذا أدل دليل على أنّ القراء متبعون الأثر والرواية لا مجرّد الخط . وقوله تعالى : رِحْلَةَ الشِّتاءِ منصوب بإيلافهم مفعول به كما نصب يتيما بإطعام ، وهي التي يرحلونها في زمنه إلى اليمن لأنها بلاد حارة ينالون منها متاجر الحبوب . وَالصَّيْفِ التي يرحلونها إلى الشام في زمنه ؛ لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع الثمار ، وهم آمنون من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم المعظم وبيت الله ، والناس يتخطفون من حولهم ولا يجترىء أحد عليهم . والإيلاف من قولك : آلفت المكان أولفه إيلافا إذا بلغته فأنا مؤلف ، والأصل رحلتي الشتاء والصيف ولكنه أفرد ليشمل كل رحلة كما هو شأن المصادر وأسماء الأجناس ، وفي ذلك إشارة إلى أنهم يتمكنون من الرحلة إلى أي بلاد أرادوا لشمول الأمن لهم . قال مالك : الشتاء نصف السنة والصيف نصفها .
--> ( 1 ) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 536 ، والهيثمي في مجمع الزوائد 10 / 24 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 397 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 33819 ، 33820 ، وابن كثير في تفسيره 8 / 512 . ( 2 ) الأبيات من الخفيف ، وهي للمشمرج بن عمرو الحميري في خزانة الأدب 1 / 204 ، وللّهبي في المقتضب 3 / 362 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( قرش ) ، والبيت الثاني بلا نسبة في تهذيب اللغة 8 / 322 .